كنّا نقرأ بشغف ما تركه الصحابة الأوائل من مواقف إنسانية وما اتسموا به من عدالةٍ، كانوا أناساً مثلنا، لكنهم تخلدوا وأصبح ذكرهم مشعاً تستلهم منه الأجيال ما يقويها على مغالبة أنواء الحياة ومغرياتها.

وكنّا حين نطالع حياتهم يزداد شغفنا لعصرهم، ونتمنى لو أننا عشنا ذلك العصر، بيد أن التاريخ قد يهب أمة من الأمم أو شعباً من الشعوب نموذجاً حياً ينتمي إلى ذلك العصر، وهذا ما رأيناه في بلادنا حين منَّ الله علينا برجل ينتمي روحاً وأخلاقاً إلى عصر الصحابة الأوائل، وبفكر ورؤية معاصرة تؤمن بالعلم وتسعى لبناء حضارة حديثة.

أجل فقد كان أبونا زايد، طيب الله ثراه، من ذلك النموذج التقي الورع الصادق العادل المخلص الباذل الوفي المضحي الوطني والعروبي والإنساني، وكان المتأمل المتفائل والمفكر والحكيم والمحب لأهله وشعبه والمقيمين على أرض الإمارات ولكل الناس، لا يفرق بين أحدٍ وآخر إلا بالتميز والعطاء، حتى صار رمزاً للحكمة والسماحة والخير والعدالة. وصار اسمه مرادفاً وحاضراً كلما ذكرت المسميات التالية (الإمارات ـ الخير ـ العطاء ـ الحكمة ـ الإنسانية).

وحين تمر بنا الذكرى الرابعة عشرة لوفاته، نجد أن أبونا زايد مازال حيّاً في قلوبنا، وما زال بيننا معلماً وملهماً حتى سمينا يوم غيابه بـ(يوم العمل الإنساني)، ونِعم ما يتصف به يوم زايد حين يتسع ويتجاوز الخاص إلى العام ليكون رمزاً لكل الإنسانية على الأرض.

أبونا زايد ملأ أرضنا خيراً وعدلاً وجسد بحكمته أسمى القيم التي جاءت بها شريعتنا السمحاء وحوّلها إلى دروس عملية.

ولست أنسى ذلك الموقف الذي عشت فيه عدالة زايد. ففي ثمانينات القرن الماضي حين كنت أدرس علم الاجتماع في جامعة الإمارات تسببت إحدى المسؤولات في الجامعة بفصل أربعين طالبة فصلاً تعسفياً وهن في السنة المنتهية وعلى وشك التخرج، فاتصلت بسمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، حفظها الله، ووضحت لها الأمر، فكلمت الشيخ زايد في الحال، وإذا به يأمر برفع الظلم عن الطالبات، ويدعو لاستضافتهن مع أولياء أمورهن في قصر المقام، فعمت الفرحة أربعين أسرة وعاد الحق إلى نصابه.

ولا أنسى لسموكم يا أبانا وقفتكم ومؤازرتكم لي في السنوات الأولى لتأسيسي الرواق، حين أقمت المؤتمر العلمي العربي تحت عنوان (في استنهاض الهوية العربية ورسم المستقبل العربي) والذي شارك فيه خبراء وباحثون من كل الوطن العربي، حين أرسلت لكم أبشّركم بنجاح المؤتمر وأشكر لكم دعمكم برسالة من بنت طموحةٍ مجتهدة لوالدها المشجع والراعي، جاءني ردكم على جناح طائر السعد من خلال مدير مكتبكم في حينها الأخ خميس بن بطي الرميثي ليقول: «يشرفني تسجيل فخر سموه واعتزازه بك وببنات الدولة أمثالك اللاتي يقمن بأداء واجبهن الوطني في كل الميادين، وذلك الموجه صوب تثقيف شباب الدولة من الجنسين ورقيهم في العلم والأدب، ويعتبركن سموه قدوة للجيل الصاعد من المواطنات اللاتي يأمل فيهن سموه جنباً إلى جنب مع أبنائه المواطنين كل الخير والهمة العالية في سبيل اكتساب العلم والمعرفة والتحلي بالأخلاق الإسلامية الفاضلة، والتفاني في خدمة بلدهم وشعبهم بغية الوصول إلى آفاقٍ أرحب من الرقي والتقدم والازدهار لدولتنا وشعبنا بفضل الله رب العالمين».

هكذا كنت يا أبانا، مصدر إلهامنا وحبنا لوطننا الإمارات، والمثل الأعلى لنا في الحياة، لقد كان فضلكم علينا كبيراً وكأب حنون غرست فينا حب الخير والقيم النبيلة، وبنيت لنا وطناً وعززت ركائزه برجال كانوا من غرسك ونهلوا من نبعك، وها نحن إذ نعيش أيام عامكم المجيد عام زايد فإننا نجدد العهد الذي قطعناه لكم وللوطن بأن نظل أوفياء ونبقى نحمل الأمانة بكل صدق وإخلاص وتفانٍ مثلما أردتم لنا ومثلما علمتمونا.