الجمعة الماضية 26 يوليو 2018م تناقلت وسائل الإعلام ما كتبه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، في تويتر، وهو ينعى شاعرتنا الكبيرة عوشة بنت خليفة السويدي المعروفة بـ«فتاة العرب» التي وافتها المنية في نفس الجمعة في دبي قائلاً: «فقد الوطن رمزاً كبيراً في الأدب والحكمة والشعر».

وكتب صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ينعاها بقوله: «إنها قامة أدبية وعلامة فارقة في الشعر النبطي، ظلت قصائدها في الوطن والتاريخ والدين لعشرات السنين تثري الذاكرة الإماراتية حكمةً وثقافةً ومعرفةً وإبداعاً».

فإذا كان هذا ما قاله رجال الدولة عنك أيتها الراحلة المبجلة، فماذا تقول موزة عبيد غباش وقد عاصرت الشيء الكثير من إبداعك الشعري وحضورك الوطني والإنساني الكبير؟

كانت قصائدك تسمو بنا لعوالم المثل العليا والأخلاق النبيلة، فيها الحب والوفاء، فيها الصدق والحكمة وعتب المحبين، فيها الرقة والعاطفة السامية، كانت تدخل قلوبنا فتلهمنا الكثير من المعاني، تنعش القلب والوجدان، وجدنا فيما تقوله قصائدك تراثنا وأهلنا، وكان الوطن أيتها النبيلة كولدك تناغينه بأجمل ما تقوله الأم لولدها، الوطن كان يكبر ومحبتك له تتجلى أكثر وأكثر.

كنا طالبات في الثانية حينما كانت قصائدك تقول لنا، أنتن يا بنات الإمارات المستقبل لكُنّ، والبلاد تفتح ذراعيها لكُنّ، فواصلنَ التعليم وكنَّ شامخات، كنا نترجم قصائدك في أحاسيسنا، فكانت قصائدك تبشرنا وتملأنا بالأمل والعافية.

وها أنت ترحلين بهدوء وصمت، لتمتلئ عيون محبيك بالحزن وقلوبهم بالدعاء أن يغمرك المولى برحمته وغفرانه، ويثيبك بما يثيب به عباده الصالحين.

يوم جاء خبر نعيك استذكرنا قصائدك وما قاله المعجبون بشعرك، وطافت مقالات الكتاب وقصائد الشعراء تستذكر سيرتك الغالية.

قالوا: «نشأت وترعرعت في بيت علمٍ وأدب، وكان مجلس والدها، رحمه الله، ملتقى الشيوخ والأدباء. بدأت موهبتها مبكراً فكتبت أولى قصائدها وعمرها اثنا عشر عاماً، لفتت أنظار القوم منذ ذلك الوقت، ثم بمرور السنين ترعرعت موهبتها ونضجت، والتزاماً بعادات المجتمع وتقاليده كانت ترسل قصائدها للنشر باسم «فتاة الخليج»، لكن التفاتة أبوية من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم أطلق عليها اسم «فتاة العرب» اسم يليق بمجدها الذي صنعته بإبداعها.

كانت قصائدك الجميلة تدور من بيت لبيت، وتبتهج الصحافة وهي تنشر ذلك الشعر الوجداني المعبر:

بات جفن العين سمّاري والكرى ما طوري بطوره

واستحل الشوق يا ساري مهجةٍ في الود مجبورة

ليت عما صابني داري صاحبٍ لي زين مظهوره

وحيّت قيام الاتحاد بقصائد كثيرة منها:

«اسمى التهاني للإمارات منقول مع خالص التبريك في مبدع الجيل

والمجلس الأعلى نهنيه بمثول مجلس توحد بينهم والتّكافيل»

ها أنت تغادرين بهدوء تاركة وراءك ذخيرةً حيةً من جواهر الشعر، وقلوباً أحبتك وصفحات من الذكريات التي تملأ رئة السامع بالفخر، وتجعله لا يكاد يصدق كيف امرأة من عمق الواقع البدوي تنشر غزلها العفيف متخطيةً جدران العادات والتقاليد التي كانت تكبل المرأة وتحول دون إبراز مواهبها في الأدب، إلى درجة اتخاذها الاسم المستعار لأدبها.

وكيف تعاملتِ شعرياً مع الزمن ورموزه في فترات لاحقة حين نهضت الإمارات وازدهرت، كنت تنشدين باقتدار وحكمةٍ حتى شاعت قصائدك بين القاصي والداني.

عوشة بنت خليفة السويدي الشاعرة الإماراتية التي عاشت عهد ما قبل الاتحاد وما بعده، وكانت قصائدها تلقى الترحيب من قبل الصحافة ووسائل الإعلام وغنى لها المطربون، وكان لقصائدها الوجدانية والوطنية والقومية والدينية عطر الوفاء وبلاغة العارفين بفنون اللغة ومراميها، كما كان لشخصيتها التي برزت فيما بعد القدوة الصالحة لبنات جيلها، وما تزال رمزاً يحتذى في مدارج الأسماء النسوية الرصينة.

لقد كان لرحيلك في نفوسنا ألمٌ وحزن عميق، غير أن ما يعزينا على فقدك هو نبراس الخلود الذي بقي يضيء بعدك أيتها الشامخة الكبيرة.

 

رئيسة رواق عوشة بنت حسين الثقافي