لا تتطور البلدان سواء أكانت غنية أو فقيرة دون إرادة سياسية حكيمة تخطط لحاضرها ومستقبلها بشكل متسارع ومتوازن، مستفيدة من إمكاناتها اللوجستية والبشرية. والتنمية مفهوم معروف للتطور والنمو السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي، استنبط المخططون منه وجهاً جديداً للتنمية يعزز التنمية المجتمعية اقتصادياً ومعرفياً بربط الإنسان بموارده البيئية، وإيجاد فرص العيش الكريم له وللأجيال القادمة، فكانت التنمية المستدامة التي تعني تطوير وسائل الإنتاج بطرق لا تؤدي إلى استنزاف الموارد الطبيعية أي تلبية احتياجات الجيل الحالي دون إهدار حقوق الأجيال القادمة.

وتندرج تحت هذا المصطلح تعريفات أخرى غير بعيدة عن هذا المعنى إضافة إلى أن للتنمية المستدامة أهمية كبيرة في عصرنا الحالي على مستوى الحكومات والمنظمات المحلية والعالمية خصوصاً في مجال الطاقة والبيئة والموارد الطبيعية والبشرية.

ولعل أبرز ما تهدف له التنمية المستدامة هو تطوير مصادر دخل الأسر الفقيرة لمنعهم من تدمير عناصر البيئة من حولهم، وتشجيع المشاريع الملائمة لكل منطقة حسب ظروفها الطبيعية، كذلك تشجيع المبادرات الفردية والمجتمعية لإقامة المشاريع المناسبة لهم، وتطوير المهارات، وخلق رابطة إيجابية بين الإنسان والبيئة وزيادة الوعي حول الطاقة المتجددة كطاقة الرياح والشمس وغيرها.

وفي ظل التحديات (الاقتصادية والاجتماعية) العالمية، أصبح من الضروري جداً إيجاد حلول جذرية لمعالجة العلل المسببة لعوارض الفقر والبطالة والعنف والتضخمات الاقتصادية وغيرها، والتي أصبحت القلق الأكبر للمجتمعات في عموم العالم.

من هنا يأتي دور المؤسسات الاستراتيجي لدعم المجتمعات لمواجهة التحديات وإيجاد فرص اقتصادية مجتمعية تنموية تعود بالفائدة على الجميع.

وإذا ما علمنا أن عدد سكان العالم اليوم يبلغ 7 مليارات نسمة، ومن المرجح أن يصبح 9 مليارات نسمة بحلول عام 2050، ما يجسد أهمية الالتزام بمعايير التنمية المستدامة لتحقيق مستوى معيشي لائق لأجيال الحاضر والمستقبل.

ولو تطرقنا إلى اهتمام دولتنا الإمارات بموضوع التنمية المستدامة لطال الحديث وما تثبته الوقائع من نمو متسارع وتطوير للبنى التحتية وتطوير واستثمار للطاقة البشرية والحفاظ على البيئة والعمل على التخطيط الاستراتيجي لضمان استدامة الموارد وضمان مستقبل الأجيال، هذا وغيره من تدابير تجعل الإمارات من الدول المتقدمة في التنمية المستدامة.

ودولتنا الإمارات تعتبر اليوم البيئة الحاضنة المثلى للكثير من المبادرات والمشاريع والمؤسسات التنموية على المستويين العربي والعالمي، وتجد هذه المبادرات والمشاريع التنموية بيئة خصبة للعمل المنتج البنّاء ورحابة صدر من الجهات الإماراتية ذات العلاقة.

ومن المبادرات الخلاقة التي حلّت بين ظهرانينا بروتوكول التنمية الإنسانية المستدامة من قبل (المنتدى لتطوير الهوية المؤسسية) ومؤسسة د. عبد بيدس لمعالجة التحديات العالمية والمستهدف معالجتها من خلال تحقيق أهداف التنمية المستدامة الأممية، والتي اعتمدت معالجة 17 هدفاً بشكل شمولي وتشاركي واسع تركيزاً على نمو الإنسان من خلال تسخير كل الإمكانات للنهوض به عربياً وعالمياً ودعم جهود المؤسسات الرامية إلى تنمية المجتمعات وتحقيق الاستدامة وخلق الفرص بمعنى (تنمية رأس المال بتنمية الإنسان).

ويسعى المنتدى لتطوير أسس استدامة التنمية الإنسانية من خلال تطوير الحاضنة الاقتصادية المجتمعية لتكوين وتمكين أسر قادرة على إعالة جميع أفرادها في كل مراحل حياتهم اعتماداً على محاور عدة منها تعزيز الهوية الوطنية وبناء الهوية الاقتصادية المجتمعية، وكذلك تأصيل الهوية الأسرية. هذه المحاور هي التي تشكل (التنمية الإنسانية المستدامة)، وتم وضع رؤى جديدة وأفكار علمية وعملية تصلح أن تكون منهاج عمل لدول عديدة في العالم وراعية خصوصية كل دولة ونوع التحديات التي تواجهها ووضع الحلول المثلى لتحقيق الاستدامة لها بما يقويها ويضمن حاضر أبنائها ومستقبلهم.

ولعل أهم ما تتضمنه التنمية الإنسانية المستدامة هو مشاريع على أرض الواقع من خلال استنباط الفرص وخلق الشراكات الاقتصادية لتلبية طموحات واحتياجات المجتمع والأفراد، بما يحقق مع مرور الزمن وتراكم الموارد التنمية الإنسانية المستدامة، فبوركت جهود كل من يضع حجراً في البناء التنموي والإنساني، فالمجتمعات الإنسانية أينما تكون جديرة بكل جهد يحميها ويصونها لينعم العالم بالأمن والسلام.

رئيسة رواق عوشة بنت حسين الثقافي